القصة غير المروية حول مهمة كارتر الأخيرة تجاه إيران لتحديد مصير الشاه
بعد مرور ما يقارب نصف قرن، كشفت قناة "إيران إنترناشيونال" عن تفاصيل مهمة أميركية سرية وحاسمة جرت في طهران، بأمر مباشر من جيمي كارتر، رئيس الولايات المتحدة آنذاك، بهدف تقييم ما إذا كان محمد رضا شاه بهلوي قادرًا على الوقوف في وجه الثورة الإيرانية عام 1979.
وقد أدت نتائج هذه المهمة، التي شملت مواجهة مع نيران الثوار ولقاء مشوّش مع شاه مرتبك ومصدوم، إلى استنتاج الإدارة الأميركية بأنها لم تعد قادرة على دعم حليفها القديم في طهران.
ولا تزال تبعات تلك اللحظة المصيرية تؤثر على السياسة العالمية حتى اليوم.
مهمة سرية في طهران
كان جون كريغ، الدبلوماسي الأميركي- يبلغ اليوم 80 عامًا- كان وقتها شابًا ضمن فريق خاص أُرسل إلى إيران برفقة السيناتور روبرت بيرد، زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، للقاء الشاه وتقييم الوضع ميدانيًا.
وكانت المهمة على درجة من السرية لدرجة أن ويليام سوليفان، السفير الأميركي لدى إيران آنذاك، لم يكن على علم بها.
وفي مقابلة مع "إيران إنترناشيونال" أُجريت في مدينة إليزابيث تاون بولاية بنسلفانيا، حيث يعمل كريغ حاليًا محاضرًا في إحدى الجامعات المحلية، روى تفاصيل تلك المهمة المصيرية.
وقال كريغ، الذي عمل لاحقًا سفيرًا للولايات المتحدة في كل من مصر وعُمان: "الرئيس كارتر طلب من السيناتور بيرد القيام برحلة خاصة إلى طهران لتقييم مدى قدرة الشاه على البقاء في السلطة. كانت هناك مخاوف جدّية في واشنطن."
وأضاف: "هل الشاه قادر على المقاومة؟ هل يستطيع قمع الثورة؟".
كان الهدف من الزيارة تقديم تقييم واضح للرئيس كارتر وسط الانقسامات الحاصلة في واشنطن بشأن مستقبل الحكم في إيران.
وتابع: "البعض كان يعتقد أن الشاه قادر على الصمود، فيما رأى آخرون العكس. أحد المحاور الأساسية للنقاش كان حول استخدام العنف: هل يجب أن يقمع الثورة بالقوة أم يواجهها بالإصلاح؟".
طهران على حافة الانهيار
لإخفاء الهدف الحقيقي من الرحلة، مرّ الوفد الأميركي على عدة دول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قبل التوجّه إلى طهران في ديسمبر (كانون الأول) 1978، أي قبل أيام من سقوط الشاه.
كانت البلاد حينها في قبضة الاضطرابات والعنف، وتفرض حالة طوارئ، في وقت كانت المظاهرات المسلحة تهتف بسقوط الشاه في شوارع العاصمة.
ونتيجة للمخاطر الأمنية، لم يكن من الممكن استخدام السيارات للوصول إلى قصر نياوران، واضطر الفريق إلى استخدام طائرة مروحية.
قال كريغ: "بينما كنا نطير فوق طهران، رأينا من النوافذ إطلاق نار من الأرض باتجاهنا."
لكن ما صدمه أكثر هو أن جدران قصر نياوران كانت فارغة تمامًا: "لم يكن هناك لوحات، لا تحف، لا ديكورات… أدركت فورًا أن الشاه وعائلته كانوا يستعدون للمغادرة. قلت لنفسي: هذا غريب… إنهم يجهزون للرحيل فعلاً."
الملك في حالة جمود
في قاعة المرايا داخل القصر، كان الشاه وفرح ديبا واقفين لاستقبال الوفد الأميركي.
قال كريغ: "كان الشاه في حالة ذهول. واقفًا بلا حراك، ينظر إلى الأمام دون أي تعبير. لم يُحرّك عينيه أو يده. وعندما صافحه أحدهم، لم يضغط على اليد. لم يتحدث مطلقًا أثناء الغداء، لم يأكل، ولم يتحرك."
في المقابل، تولّت فرح ديبا قيادة المحادثات بالكامل، مما دفع كريغ للاستنتاج أن الملكة كانت هي من يدير شؤون البلاد فعليًا في أيام النظام الأخيرة.
وبعد هذا اللقاء، توصّل كريغ والسيناتور بيرد إلى قناعة بأن الشاه لم يعد مؤهلاً للحكم.
صدام في مقر السفارة الأميركية
بعد اللقاء، توجه الوفد الأميركي إلى مقر إقامة السفير ويليام سوليفان لإبلاغه بنتائج الزيارة.
قال كريغ إنه لم يشارك مباشرة في النقاش، لكنه سمع المشادة العالية بين سوليفان وبيرد: "كانا يصرخان على بعضهما. النقاش كان حادًا بشأن سياسة أميركا المستقبلية تجاه إيران."
كان سوليفان يدافع عن استمرار دعم الشاه، بينما أصر بيرد على أن الشاه انتهى سياسيًا ولا يمكنه حكم شعب ثائر ضده.
تقرير مصيري لكارتر
في رحلة العودة إلى واشنطن، كتب السيناتور بيرد تقريره النهائي للرئيس كارتر.
قال كريغ: "كنا فريقًا صغيرًا، وسمعنا ما كتبه بيرد بوضوح: (هذا الوضع لم يعد قابلًا للاستمرار. الشاه لا يستطيع مواصلة الحكم)".
وبمجرد وصوله إلى واشنطن، توجّه بيرد إلى البيت الأبيض وأبلغ الرئيس كارتر مباشرة باستنتاجه.
وقد اعتُبر هذا التقرير منعطفًا مفصليًا في تغيير السياسة الأميركية تجاه إيران، حيث بدأ العدّ التنازلي لانسحاب الدعم عن نظام الشاه.